أحمد مصطفى المراغي

187

تفسير المراغي

تكميل الفطرة الإنسانية وسعادتها في الدنيا والآخرة ، وكرر النداء بلفظ المؤمنين تنشيطا لهم إلى الإصغاء لما يرد بعده من الأوامر والنواهي ، وإيماء إلى أنهم قد حصّلوا ما يوجب عليهم الاستجابة وهو الإيمان . الإيضاح ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ) أي إن الرسول دعاكم بأمر ربكم لما فيه حياتكم الروحية : من علم بسننه في خلقه ومن حكمة وفضيلة ترفع نفس الإنسان وترقى بها إلى مراتب الكمال حتى تحظى بالقرب من ربها وتنال رضوانه في الدار الآخرة - فأجيبوا دعوته بقوة وعزم . كما قال في آية أخرى : « خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ » * وطاعته صلى اللّه عليه وسلم واجبة في حياته ، وبعد مماته فيما علم أنه دعا إليه دعوة عامة من أمور الدين الذي بعثه اللّه به كبيانه لصفة الصلاة وعددها قولا أو فعلا ؛ فقد صلى بأصحابه وقال : « صلّوا كما رأيتموني أصلى » و قال « خذوا عنّى مناسككم » وبيانه لمقادير الزكاة وغيرها من السنن العملية المتواترة وأقواله كذلك ، فكل من ثبت لديه شئ منها ببحثه أو بحث العلماء الذين يثق بهم وجب عليه الاهتداء به . أما الإرشادات النبوية في أمور العادات كاللباس والطعام والشراب والنوم ، فلم يعدّها أحد من الأئمة دينا يجب الافتداء به فيه . ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) نبهنا اللّه في هذه الآية لأمرين لهما خطرهما في سعادة الإنسان الأخروية ، وهما : ( 1 ) أنه قد جرت سنة اللّه في البشر أن يحول بين المرء وقلبه ، وهو مركز الإحساس والوجدان والإدراك الذي له السلطان على الإرادة والعمل ، أي إنه تعالى يميت القلب فتفوت الفرصة التي هو واجدها من التمكن من معالجة أدوائه وعلله ، ورده سليما كما يريده اللّه ، وهذا أخوف ما يخافه المتقى على نفسه إذا غفل عنها وفرّط في جنب اللّه ،